الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
73
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
يحفرونه ، فأمر ، فحملت المساحي والمعاول ، وبدأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فأخذ معولا ، فحفر في موضع المهاجرين بنفسه ، وأمير المؤمنين عليه السّلام ينقل التراب عن الحفرة ، حتى عرق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأعيا ، وقال : « لا عيش إلا عيش الآخرة ، اللهم اغفر للمهاجرين والأنصار » . فلما نظر الناس إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يحفر ، اجتهدوا في الحفر ، ونقلوا التراب ، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر ، وقعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مسجد الفتح ، فبينا المهاجرون والأنصار يحفرون ، إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه ، فبعثا جابر بن عبد اللّه الأنصاري إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعلمه بذلك . قال جابر : فجئت إلى المسجد ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مستلق على قفاه ، ورداؤه تحت رأسه ، وقد شدّ على بطنه حجرا فقلت : يا رسول اللّه ، إنه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه . فقام مسرعا حتى جاءه ، ثم دعا بماء في إناء ، فغسل وجهه وذراعيه ، ومسح على رأسه ورجليه ، ثم شرب ، ومجّ من ذلك الماء في فيه ، ثم صبّه على ذلك الحجر ، ثم أخذ معولا فضرب ضربة ، فبرقت برقة ، فنظرنا فيها إلى قصور الشام ، ثم ضرب أخرى ، فبرقت أخرى ، فنظرنا فيها إلى قصور المدائن ، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة أخرى ، فنظرنا فيها إلى قصور اليمن ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن اللّه سيفتح عليكم هذه المواطن التي برق فيها البرق » . ثمّ انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل . فقال جابر : فعلمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مقو - أي جائع - لما رأيت على بطنه الحجر ، فقلت : يا رسول اللّه ، هل لك في الغذاء ؟ قال : « ما عندك ، يا جابر ؟ » فقلت : عناق « 1 » ، وصاع من شعير . فقال : « تقدّم ، وأصلح ما عندك » قال جابر : فجئت إلى أهلي ، فأمرتها ، فطحنت الشعير ، وذبحت العنز ،
--> ( 1 ) العناق : الأنثى من المعز . « لسان العرب - عنق - ج 10 ، ص 274 » .